عالمي

حسابات المنافع التركية في تصريحات التقارب مع دمشق

لم يتأخر الكمون السياسي التركي طويلا بعد اجتماع سوتشي، لتعود التصريحات التركية تتصدر وسائل الإعلام، بلغة تستعيد البراغماتية التركية الحقيقية منذ بداية الحرب على سوريا، حيث انتشرت تصريحات الوزير جاويش أوغلو بشكل واسع في وسائل الإعلام، وربطت مع الخبر الذي تحدث عن احتمالية اجراء مكالمة هاتفية بين الرئيس الأسد والرئيس التركي، لكن الجميع لم ينتبه الى نقطة هامة جدا، وهي تاريخ هذه المحادثة السريعة بين الوزيرين، والتي كانت في تشرين الأول الماضي.

العالم – كشكول
ولم يتساءل أحد من المتابعين، لماذا صمت اوغلو كل هذه المدة عن هذه القضية، الا ان كل ما جرى كان ضمن تكتيك تركي كلاسيكي، يعمل به منذ فرض الحرب على سوريا، وبهدف واضح، هو استمرار التشبيك في العلاقات السياسية والاقتصادية مع روسيا وايران. وعلى إثر تلك التكتيكات في التصريحات، شهدت مدن وبلدات خاضعة لسيطرة المجموعات المسلحة المدعومة من الجيش التركي في ريف حلب وإدلب، احتجاجات حاشدة ومظاهرات حرق فيها العلم التركي وانزل عن عدة مبان.

لكن السؤال الذي ما زال يدور في اذهان الجميع، ما هي الدوافع التي جعلت اوغلو يكشف هذه المحادثة السريعة؟ التفسيرات التي يقدمها الكثيرون، لا تبتعد عن تكتيكات تركيا ومواقفها السياسية في الازمة السورية، مع الانتباه الى تفاصيل الرؤية التركية التي تضبط حراك اردوغان وأركان حكومته، بما يخص الشأن السوري، تحت مفاهيم الزعامة التي يحلم بها اركان الحكومة التركية، ويسعون لتصديرها لدور انقرة في المنطقة، والمفارقة، أن كل ما زعمه الاتراك حول الاستعداد للمصالحة مع دمشق – التي ترفضها أصلا الا بشروطها- كان مبنياً على تصريحات ومواقف تعكس حالة من الوهم.

بمعيار السياسة، كانت الدهشة من تصريحات الاتراك الأخيرة، وهي التي انجرت وراء مراهقة سياسية غير مألوفة في العرف السياسي، وتتورط لمستوى الإدانة الكاملة، بدعم المجموعات المسلحة في سوريا، وبعد ان سقطت ورقتها الأخيرة، تنطلق الحكومة التركية، من باب ان هذه الادعاءات هي اخر رصاصة في جعبتها، والتي تحاول من خلالها ان لا تتفجر بيدها، أي المجموعات المسلحة، بعد الإصرار الدائم على استخدامها، وهذه المرة ضمن تكتيك مختلف، وهو المظاهرات الغاضبة من التصريحات التركية في الشمال السوري، فمن الباب الى اعزاز وجرابلس وعفرين وصولا الى ادلب وريفي الرقة والحسكة، خرج الجميع ليندد بتصريحات وزير الخارجية، والمدقق يرى ان هذه المظاهرات لم تواجه لا بالجيش التركي ولا حتى الامن والمخابرات التركية، بالرغم من احراق العلم التركي، والذي يعتبر امر خطير بالنسبة للدولة التركية، بل كان كل عناصر الجيش والمخابرات الاتراك يراقبون بصمت، وهم الذين يمنعوا مظاهرة من عشرين شخصا ان تخرج في وقت سابق، لكن هذه المرة كان الهدف من هذا الصمت، هو استخدام هذه المظاهرات امام شركاء تركيا في استانا وسوتشي، عندما يطلب منهم الجنوح الى المصالحة، ليخرج وزير الخارجية التركي ورقة من جيبه، ويذكر أسماء اكثر من 35 مدينة وعدد كبير من القرى تظاهرت ضد هذه المصالحة، وان هذه إرادة ما سيسميه اجتزاءا “الشعب السوري”، ليبدأ بالتباكي، وانه لن يكون بمقدور الدولة التركية الوقوف امام إرادة 5 مليون سوري موجودون في شمال سوريا، وما يؤكد هذه الرؤية هو البيان الذي صدر عن الخارجية التركية، الذي جاء ضمن سياق التكتيك المطبق، بعد ان كرر البيان موقف انقرة من الحرب المفروضة على سوريا، وان هذا البيان جاء ليحاول اخماد غضب الناس في شمال سوريا، وهم الذين خمد غضبهم بعد دقائق من تصوير تلك المظاهرات، وليبرد الشارع التركي بعد حادثة حرق العلم التركي.

اردوغان الذي سيدافع عن نفسه برفض مجاميعه في شمال سوريا، أي حراك سياسي لإنهاء الحرب، سيستمر بدعم المسلحين وإيوائهم وتوفير القاعدة المادية والعسكرية لوجودهم وتزويدهم بالسلاح وتسهيل عمليات تسللهم إلى الأراضي السورية، بالاضافة الى استغلال وجود السوريين في أراضيه، في أخطر ممارسات النفاق السياسي، بعد ان طورت حكومة انقرة، الدور العدائي لها، ليكون منطلقا لتقويض أي جهود دولية وإقليمية لانهاء الحرب المفروضة على سوريا.

ان اصرار اردوغان للاحتفاظ بالسلطة والفوز بالانتخابات القادمة، تجعل من تكتيكاته وتصرفاته تصعب على التفسير كظاهرة، ويجد المحلل السياسي نفسه يقف امامها، ليقتنع ان اردوغان لا مرجعية له في علم السياسة، بل ابواب يتلمس بعضها ليصنع استراتيجيات براغماتية خاصة، يخدع بها كل المجتمع الدولي والواقع الإقليمي.

* بقلم حسام زيدان

المصدر : قناة العالم .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى